ثقافة فيلم "التهدئة" في قسم "نصف شهر السينمائيين": هل من لطف بعد الحرب؟
بقلم الناقد الطاهر الشيخاوي
هل يمكن للفن السابع أن يؤثر شيئا ما في مجرى الواقع؟ سؤال ما انفكّ يراوده متابعو الشأن السينمائي في رغبة يائسة للإجابة عليه بنعم.
لا يمكن لمن شاهد فيلم "التهدئة"، الذي عرض في اطار قسم "نصف شهر السينمائيين" للدورة 79 لمهرجان كان، ألا يعيد طرح السؤال. مع صعوبة بل استحالة الإجابة بنعم، يخرج المشاهد بعد العرض بإحساس قوّي بإمكانية تجنب المآسي. انطلق المخرج الأمريكي ريد فان ديك صاحب العمل من حادث جدّ أثناء غزو القوات الأمريكية للعراق سنة 2003. عائلة بأكملها تعرضت لقصف عنيف بينما كان أفرادها ينتقلون في سيارتين متجهين نحو منزلهم. لا ناقة لهم ولا جمل في الأحداث الجارية حينها.
قسّم المخرج بعناية الفيلم إلى ثلاثة أقسام. نتابع أولا عائلة تعيش حياة هادئة، تتكون من جدّ وجدّة وابنين وربيبتهما وحفيدين ما زال أصغرهما في أسابيعه الأولى، يقترب دوّي الحرب من حيث هم مقيمون فيقرّون العزم على الرجوع إلى منزلهم الأصلي بعيدا عن أي خطر. الجزء الثاني يتضمن لحظة الفاجعة في مشاهد عنيفة عندما يتعرض أفراد العائلة وهم في طريقهم للمنزل إلى وابل من الرّصاص أدّى بحياة الجدّ وابنيه واصابة ربيبته في كتفها. أما الجزء الثالث والأطول والأهم فيروي مساعي صحافي بجريدة النيو يورك تايمز عشر سنوات بعد الحادث لتنظيم لقاء بين الجندي المسؤول على المأساة وأهالي الضحايا.
عناية فائقة في تناول الأحداث بعيدا عن سهولة الاستغلال الدرامي والتعطف المبالغ فيه مع رغبة في تجنب المسائل السياسية والأيديولوجية (وهو ما يمثل قوّة الفيلم وضعفه في الآن ذاته).
بعد الانتهاء من تقديم العائلة العربية وملازمتنا لها ملازمة لصيقة يقترب الراوي من الجندي الأمريكي للإلمام بمعاناته وألم الندم الذي يمزقه طيلة السنين العشرة، ثم يتناول المرحلة الثالثة حيث تدور أحداثها في أمريكا أين استقرت العائلة أو ما تبقى منها.
هنا تكمن أهمية المقاربة فبالتوازي مع مساعي الصحفي لتنظيم اللقاء بين الطرفين، تأتي مساعي السينمائي في اخراج عملية اللقاء. هنا يكمن سرّ السؤال الذي طرحناه في مستهل حديثنا : هل هناك طريقة في استعمال المهارة التقنية للتعبير عن مشاعر سامية أخلاقيا وانسانيا.
قد يجد المتعمق في القضايا الفكرية المتعلقة بالحروب الاستعمارية الغاشمة والمعادية لأبسط حقوق الناس صعوبةً في تقبل لطف مشاعر المخرج ولكن الأكيد أنّه توفق في تقريب الآلة السينمائية بلطف ورقة وإنسانية فائقة لرفض منطق العنف والعنجهية. وما كان أن يكون لللطف والرّقة والإنسانية وجود لولا أداء هيام عباس التي كانت بدون شك في قمة موهبتها.
الشريط مرشح للكاميرا الذهبية باعتباره أول عمل لصاحبه. فكيف سيكون قرار لجنة التحكيم؟ هذا ما سنكتشفه في نهاية دورة كادت تغيب فيها الاعتبارات المرتبطة بالقضايا السياسية الراهنة.